Back to all Post

حوار مع الفنان البصري عبد عابدي

Spread the love

حاورته كفاح عبد الحليم

رسام ومصصمم ونحات من مواليد حيفا عام 1942. نظم أول معرض له عام 1962 في تل أبيب وهو ما يزال في العشرين من عمره. وقد كان أول عربي ينضم لمنظمة الرسامين والنحاتين في حيفا في نفس العام. تابع دراسته الأكاديمية للفنون عام 1964 ضمن بعثة للحزب الشيوعي الى شرق اوروبا حيث درس التصميم الغرافيّ، الجداريات، النحت البيئيّ والفنّ في درزدن في جمهورية ألمانيا الديمقراطيّة. مكث عابدي في ألمانيا سبع سنوات حتى أنهى اللقب الثاني وسنة تخصص هناك. في الكلية العليا للفنون التقى بمن ستصبح معلّمته ومصدر إيحاء هامّ له، الفنّانة اليهودية ليئا غرونديغ التي سطع اسمها في الرسم الاحتجاجي ضد الفاشية والنازية. في تلك السنوات تأثّر عابدي بفنّانين ألمان مثل غيرهرد كتنر وغيرهرد هولبك. وكما تشير طال بن تسفي في “عبد عابدي: خمسون عاماً من الابداع”:
“في الأعمال التي أنتجها عابدي خلال سنواته السبع في درزدن يمكن أن نلاحظ بوضوح آثار توجه مثابر من حيث الموضوع والأسلوب الفنّي، حيث تمحورت في شخصيات لاجئين ونُفذت بأسلوب واقعيّ اجتماعي وبوسائل فنية غرافية مثل رسومات، طباعة، حجر ونقش ترافقها نصوص سياسية وأدبية تتناول مسائل العدالة والأخلاق. تأثّر هذا التوجه إلى حدّ كبير بالرؤيا السياسية-الاجتماعية التي تبنّاها عابدي منذ شبابه حين انصم إلى الحزب الشيوعي لكنها رفدت أيضاً من خلال فناني التيار الواقعي الاجتماعي في الفن الإسرائيلي. لكن هذه الخيارات نضجت في درزدن بإيحاء من أعمال فنانتين: فنانة الطباعة الرسامة والنحاتة كيتا كولفيتش التي خصصت عملها الفني لتقديم أوصاف متعاطفة من المعاناة الكونية الناجمة عن العيش في معاناة، استغلال وغبن ومن أحداث تاريخية ثورية: والرسامة وفنانة الطباعة ليئا غرونديغ. بالإضافة إلى تجسيد معاناة الطبقة العاملة، اتّسمت أعمال غروندغ ببصمة فظائع الحرب العالمية الثانية حيث تتمحور الأيقونوغرافيا التي أنتجتها في مسائل كاللجوء، التهجير، الناجين وغيرها. يظهر تأثير أعمال غروندغ العميق جدًا في تطوّر أعمال عابدي، كفنّان خلال تعليمه وعبر بلورة أيقونوغرافيّة اللجوء عمومًا وأيقونوغرافيّة النكبة خصوصًا في أعماله.”
بعد أن عاد عبد عابدي الى مسقط رأسه حيفا، أصبح من البراعم الاولى للعمل في هذا المجال لا سيما وأن نشاط الفنانين الفلسطينيين داخل إسرائيل لم يبدأ سوى بمرحلة متأخرة نسبياً، ذلك نتيجة للنكبة الفلسطينية والحياة تحت ظل الحكم العسكري. بمرور السنين، تحوّل عابدي إلى أحد رواد وأركان تطوّر الفنّ الفلسطيني المعاصر لدى الأقلية الفلسطينية في إسرائيل.
بالتعاون مع الفنان غرشون كنيسبيل، صمم عابدي النصب التذكاري لشهداء يوم الارض، وهو النصب التذكاري الاول بهذه المقاييس على مستوى الداخل الفلسطيني، والذي شيد عام 1978 في سخنين. وقد بات هذا النصب التذكاري يعتبر كإحدى نقاط التحوّل في الحضور الفلسطيني داخل الحيّز العام في إسرائيل خاصة فيما يتعلق ببلورة الذاكرة الجماعية القومية عمومًا، والذاكرة البصرية خصوصًا لدى الأقلية الفلسطينية. يذكر بأن النصب التذكاري مبنيّ بشكل تابوت حجريّ رخاميّ مستطيل نُقشت عليه عناصر لوجوه وزخرفات، كتلك التي تميّز فنون الدفن اليونانية والرومانية. في كتالوج قصة النصب التذكاري كتب عابدي يقول: “..قد يكون عملنا المشترك، الزميل غرشون كنيسبل وأنا، تجسيمًا لفكرة التعاون الخلاق بين أبناء الشعبين من أجل أن لا تتكرر المأساة وأن يكون عمل الحاضر – هذا الحاضر الذي نتمنّى أن يسلم المستقبل أنصابًا للسلام ولتواجدنا المشترك على هذه الأرض “.
منذ ذلك الحين شيد عبد عابدي عدة نصوب تذكارية وجداريات في البلاد كما وأقام نصب تذكاري في حديقة المتحف الوطني في عمان. لكن عدا عن تصميم النصب التذكارية والجداريات فقد خاص عابدي مجالات عديدة أخرى حيث تنوعت أعماله ما بين الرسم، التخطيط، الطباعة، النحت والتصميم الغرافي. ويشير الفنان كمال بلاطة في هذا السياق: “كما رسم الفنان ريفيرا الصور الزيتية الجدارية، ليصل إلى الأكثرية الساحقة من الشعب المكسيكي، كذلك اختار عبد عابدي الفن التخطيطي، حيث يمكن طباعة قطع الأعمال الأصلية وتوزيعها بأثمان زهيدة إلى أكبر عدد من الجمهور، إنه فنان من الشعب ويرسم للشعب، عبد عابدي لا يرسم مأساة 1948 فقط، إنه يغني فلسطين في خطوط عفوية دقيقة الاستدارة، ينشر التفاؤل أبيض كالثلج تحت الخطوط السوداء المنقوشة..”.
عمل عابدي مصمّماً لعددٍ من المنشورات العربيّة منها صحيفة “الاتحاد” ومجلّة “الجديد” كما رسم العديد من الرسوم الكاريكاتورية، التي نشرت معظمها في صحيفة “الاتحاد” في حيفا ما بين السنوات 1972 – 1981. في تلك السنوات وما بعدها، زيّنت العديد من رسوماته إصدارات مبدعين مثل إميل حبيبي، أنطون شماس، محمد علي طه، سلمان ناطور، سميح القاسم وغيرهم. إلى جانب الأعمال الملفتة التي رافقت نصوص اميل حبيبي (ك”بوابة مندلبوام”، “المتشائل” وغيرها)، كانت سلسة رسوماته لقصص سلمان ناطور القصيرة “وما نسينا” بمثابة درة التاج في تعاطيه الصريح مع النكبة (احدى هذه الرسومات كانت بورتريه لوالده قاسم عابدي). وربما تجدر الاشارة هنا بأنه قام بتصميم لوحة الغلاف لكتاب “خواطر زمنية” الذي أعده شقيقه ديب عابدي (صدر عام 1993 بعد وفاة مؤلفه)، والذي يسرد بالتفصيل سيرة حياة العائلة التي عاشت تجربة اللجوء بعد تهجير حيفا في نيسان 1948.
يشهد عابدي على التأثير المتبادل وعلاقات التفاعل الفنّي المتبادلة في السبعينيات والثمانينيات مع فنّانين فلسطينيين من أبناء جيله، سكّان الضفة الغربية وقطاع غزة، والذين نالوا تحصيلهم في مدارس الفنون في العالم العربي ومن بينهم: نبيل عناني، تيسير بركات، إبراهيم سابا، عصام بدر، فيرا تماري، تهاني شكيك، طالب دويك، كمال المغني، فتحي الغبن وسليمان منصور الذي كان أبرزهم (والذي تعلم في “بيتسلئيل” خلافاً للبقية). إلى جانب هؤلاء تعرف عابدي أيضاً على أعمال فنانين أنتجوا في الشتات الفلسطيني كناجي العلي، ابراهيم هزيمة، تمام الأكحل وكمال بلاطة. وقد كان للفنان الفلسطيني الهام اسماعيل شموط تأثيراً على هؤلاء الفنانين عامةً، ومن ضمن ذلك، على أعمال عبد عابدي خاصة في كل ما يتعلق بصورة اللاجئين الفلسطينيين.

هجرت مع امك واخوتك في النكبه إلى لبنان ومن هناك إلى دمشق وسمح لكم بالعودة في إطار لم الشمل عام 1951. الكثير من أعمالك على مدى “خمسون عاماً من الإبداع” تتناول مواضيع الطفولة والنكبة واللجوء- عملياً كان من الممكن ان تكون اليوم لاجئاً؟

سؤالك مثير لأنه كان من الوارد بأن لا نرجع، فهنالك صدف غريبة عجيبة. من الحظ بأن والدي، قاسم عابدي، بالغريزة الإنسانية العادية الموجودة لديه، كان قلق من خروجنا من حيفا بعائلات كاملة. هو بقي في حيفا لأنه، ربما، كان أذكى منا جميعاً. شاء القدر بأن الذي ساعده في مشروع ترتيب الاوراق للم الشمل هم بعض الاشخاص اليهود، أحدهم حاييم شبيط الذي كان يتاجر معه في الخيل. الرجوع لم يكن خطوة عادية طبعاً، واتضح لي فيما بعد بان ذلك كان بسبب ضغط من الأمم المتحدة للم شمل العائلات وليس لطيبة قلب الحكومة الإسرائيلية. رجعت إلى حيفا وقد كان عمري 8 -8 ونصف العام. تبقى الغصة بأنه لم يتبق إلا القليل من العائلات العريقة في حيفا. مؤخرا بدأت أدرك بأنني من القلائل الباقين من السلالات العريقة الحيفاوية الأصل (جده كان رئيس بلدية حيفا بسنوات 1922-1928). هذا يترك أثره، بشكل مباشر أو غير مباشر، على أعمالي الفنية. ابن اختي الذي يراسلني عن طريق الانترنت، أرسل لي شهادة المعونة التي كانت تعطى للاجئين الفلسطينيين. عائلتنا كانت تحصل على المعونة من قبل الشؤون الإجتماعية السورية. لدي وثيقة بانني من أفراد عائلة (5 أنفار) حصلت على الرعاية التي أعطتها سوريا التي بدأت تتحرر من الإستعمار آنذاك في عامي 55-54. في كثير من الأعمال بالسنوات الأخيرة، استعمل أكياس الخيش كوسيلة تعبيرية عن الحالة التي عشتها في مخيمات اللاجئين، ابتداءاً من المية ومية في لبنان والكرنتينا في بيروت إلى اللجوء في دمشق حيث سكنا في جامع مهجور موجود حتى اليوم في حي إسمه الشاغور. سكنت هناك بعض العائلات إلى حين نخصيص قطعة أرض لبناء مساكن ثابتة في المجمع الأكبر في العالم العربي- الا وهو مخيم اليرموك.

مأساة أخرى حلت باليرموك منذ ذلك الحين

أطلقت واحدة من الصرخات للدفاع عن مصير، ليس فقط شقيقتي وأولادها، إنما مصير كافة الفلسطينيين والسوريين الذين سكنوا في المخيم. في معرضي “إلى لطفية- اختي في مخيم اللاجئين اليرموك” تسائلت عن مصير هؤلاء.

.
واضح بان اختي أخذت الحيز الأكبر من المعرض ولكني حاولت طرح آفاق وتطلعات أوسع بهذا الشأن. أيضاً بالمواضيع التي تخصنا هنا، كنت شاملاً في طرح قضايا الأقلية الفلسطينية في إسرائيل ومنها موضوع من يسموا بال”شباحيم” (اللذين يمكثون في البلاد بشكل غير قانوني) وموضوع القرى غير المعترف بها والكثير الكثير من الشخوص والانطباعات من الحيز الفلسطيني في هذا الوطن.
يقال بأن هناك تشابه بين أعمالك وبين الأعمال الفنية الشيوعية في الصين، فيتنام (شمال فيتنام بالماضي) ودول مختلفة في أفريقيا.
أقول بحذر- صياغة موقف الفنان بهذا الشكل تجرده من الإنتماء الآخر. الشخص ليس فقط له دور ضمن ثقافات العالم إنما ايضاً له ثقافة وبلاغة فيها نسمات وروائح محلية. كوني درست وتأثرت بعوالم مختلفة، لا ينفي أبداً صرختي كوني أيضاً فلسطيني- لهذه الخلفية ميزات أخرى. في الفترة التي جسدت فيها الوضع السياسي من خلال رسومات بالابيض والاسود، تعاملنا نحن الفنانين آنذاك مع الملصقات كأداة تعبير قوية بامكانها النفوذ إلى قلوب المشاهدين. طرأ كذلك تطور إبداعي على عملي هنا حيث تأثرت وأثرت بالأساليب والمواد التي من شأنها ان تأكد على إنتمائي المكاني. الفنان الألماني بارلخ، مثلاً، تعامل مع الحرب التي سادت باوروبا دون التأكيد على أي عناصر محلية. أما لدي فهناك ميزات خاصة بي لا تجديها بأماكن أخرى على الرغم من أنني تأثرت بالكثيرين طبعاً. تعاملي مع المواد له طابع آخر- كيس الخيش، الخرز، الكتابة وغيرها تحمل روح أخرى لكن هذا لا ينفى ابداً التأثر. من الغباء اصلاً بان لا يكون الفنان بموضع التأثر والتأثير- فدوره دينامي من مجرد طبيعته. هناك نوع من الانطباع ولد عندي خاصةً وأنني لم أدرس بمدارس إسرائيلية انما في مراكز عالمية – بأن هناك ربما نوع من الحسد وكأنني اذا درست بألمانيا فانا “محسوب” على الشيوعية. كان علي أن أثبت وجودي هنا رغم إنتمائي للفكر الاشتراكي. جودة العمل هي التصريح المباشر لدخول العالمية على الرغم من ان هنالك فئات في إسرائيل كانت ترغب في رعاية بعض الفنانين المحليين وكأنهم هم من صنعوهم. أنا كنت “نشازاً” بينهم وأعتقد بانني قمت بشق طريقي ونجحت بذلك.

ماذا عن الجمهور اليهودي؟ سعيت كذلك لاستقطابه؟

أسعى للحوار ولكن ليس فقط لأجل الحوار. كوني حيفاوي، أعتقد بان من حل بهذه المدينة يجب أن يعرف- واذا لم اترك له المجال لذلك فأنا اسيئ للدور الذي يجب أن اقوم به. كل الجاليات والهجرات التي وصلت لحيفا من أوروبا والإتحاد السوفييتي سابقاُ يجب أن تعرف. هذا لا يعني بأن السكان العرب في حيفا لا يعانون من تمييز عنصري واضح يعود القسم الأكبر منه إلى توجه مؤسسات الدولة بحق الجماهير العربية ككل وخاصةً بحق سكان المدن المختلطة. السياسة التعسفية والعنصرية لم تبتعد عن جماهير حيفا كونهم جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج. البارحة رافقت زوجتي الهنغارية الى المطار، ورأيت كيف أراد رجل الأمن بأن يسألني كل الوقت إن كنت عربياً ولكنه أحرج، على ما يبدو، لتواجد زوجتي.
في 1995 طالبت بتكريم شخصية من قبل بلدية حيفا، وكان الجواب آنذاك بأن البلدية لا تعترف بمكانة هذا الرجل ورفضوا طلبي تسمية شارع على إسمه. بما أننا نتحدث عن ديناميكا متواصلة، لا يمكن بالحالة هذه ترك المجال وإتباع سياسة التحريم وعدم المشاركة كوني جزأ لا يتجزأ من هذه المدينة. بإصرار مستمر وصلنا لوضع اضطرت فيه البلدية الى الاعتراف بمكانة هذه الرجل وقررت إطلاق اسم مدرسة على إسمه- مدرسة عبد الرحمن الحاج- وكان ذلك في عام 1998 خلال رئاسة عمرام متسناع للبلدية.
هذه المدينة يجب أن تكون مدينة مشتركة والعرب في حيفا ليسوا ضيوفاً، وحيفا كذلك “أم الغريب”، وبإمكانها أن تستوعب جاليات مختلفة ونزعات واضحة في جو إسرائيلي يميني حيث يجب التحكم، على الأقل، بمسؤولية موضوعية.


Abed Abdi working at the International Art Colony. Photography by Amir A. Abdi.

هل نجحت أعمالك اذاً في الوصول لقلب المشاهد اليهودي رغم المواضيع التي تتناولها؟

هنالك اقرار عملياً حتى من قبل جمهور واسع من المثقفين اليهود بهذا العمل، وهناك نوع من التفهم ليس فقط للحالة الشخصية انما للحالة الجماعية التي يمثلها عبد عابدي. في المعرض الذي نظم في بيت الكرمه تكريماً لي- قام الجهاز البلدي للمرة الاولى بدعم موضوع له بعد سياسي كذلك. عملي مع الجمهور اليهودي لا يتعارض كلياً طالما انني أجسد الموقف الانساني بأعمالي: في هذه الحالة هنالك توافق ونوع من التضامن على العمل الإبداعي الذي يميزني ليس من باب التخجيل او التسامح إنما من باب الفنان الذي يعرض قضية بحق وحقيق، قضية لا تمثل فقط نقاش سياسي إنما تندمج على مختلف التقنيات والأساليب مما يساهم بنشوء تعاطف من قبل جمهور يهودي واسع. أعتقد بان هذا الأمر ايجابي جداً- من ناحية، وجود آذان صاغية وإهتمام نظراً للجودة المقدمة من قبل الفنانين الفلسطينيين وكونهم جزء من المناخ السياسي، ومن ناحية أخرى، اهتمام العديد من متذوقي الفن وحتى المقتنين المعنيين بالشراء. وصولنا لهذا المكان بنظري هو تعبير عن تقديمنا المستمر لجودات في العمل الفني تتجاوب مع الأساليب الحديثة للفن. قسم من الفنانين الفلسطينين لا يمثلون فقط الحالة الفردية والمحلية إنما أصبح لهم دور عالمي كوليد ابو شقرا وفريد ابو شقرا وأسامه سعيد وبشير مخول وميخائيل حلاق وأنيسه أشقر وغيرهم.

كان لديك كذلك تعاون مع فنانين يهود؟

باستمرار لدي تعاون مع فنانين يهود. أولاً، كوني نشطت في إطار جمعية الرسامين والنحاتين في إسرائيل على مدى سنوات طويلة، فقد شاركت في مشاريع مختلفة. واحدة من المشاركات التي كان لها أثر هام هي مشاركتي مع مجموعة من الفناين العرب واليهود في صيانة موقع أثري في حيفا يتواجد في بستان الخياط في وادي السياح. إذا ما نجحنا في إقامة هكذا نشاطات ومعارض مشتركة فهذا يأتي بنظري ضمن المسعى الحثيث لوضع وإعتبار الفن البصري كمكان للحوار. ليس من المفترض بأن يقلل هذا الحوار من شأن مطالبنا إنما بأن يقوم باعطاء فرصة توضيحية أكثر. ما يميز تعاون الفنانين عادةً هو الندية في العمل. مثلاً، لولا العمل المشترك مع كانزة معرض “الى لطفية”، اييلت زوهار، التي تفانت من اجل ضمان جودة رهيبة لعرض العمل والكتابة عنه، لمى نجح بهذا الشكل. كذلك العمل مع الناقدة المعروفة طال بن تسفي التي كرست دراستها عن الفن الفلسطيني المعاصر وحصلت على درجة الدكتوراة – هي من حررت كتابي “50 عاماً من الإبداع”. من المهم أن نؤكد بأننا لا نعمل بشكل انعزالي إنما بأننا منفتحين، وضمناً عادةً ما يكون هناك تجاوب من أطراف مختلفة محلية وخارجية.

رغم هذا التوجه فقد نجحت في تعزيز صورتك كفنان فلسطيني ملتزم بقضايا شعبه؟

هناك عوامل نفسية في موضوع التعامل. بدايةً نحن نعرف بأن الأكثرية قد تتفهم وضع الأقلية ولكن غالبيتها اليوم تعتقد بأننا نتبع سياسة “المسكنة”. طبعاً، كل التوجهات العنصرية مرفوضة ونحن نختار التعامل، كما قلت، بالند. هناك إعتبارات أخرى أيضاً، فانا اتحاور بمستوى البصر- تواجدي لسبع سنوات في المانيا، أعطاني الخبرة بالتعامل مع الآخر والآخرين، وبالتالي، وجودي هناك ساهم كذلك في صقل شخصيتي من خلال عملي مع فنانين من العالم ومع شخصيات مثل ليئا غرونديغ التي شكلت بالنسبة لي حالة كونها تنتمي لأقلية مضطهدة في أوروبا. الملاحقة لا تعني التقوقع إنما العمل المشترك من أجل رفع الشعور بالغبن وهضم الحقوق الى حاله تكون فيها مواجهة الآخر ثقافية وندية وعلى مستوى البصر. أعتقد بأن هناك عوامل مشاركة أخرى كون حيفا مدينة استوعبت بالماضي المهاجرين والآلاف من العالم العربي مما ساهم في نشر ثقافة إنسانية عميقة. حالتي تشبه حالة اميل حبيب وأحمد دحبور وإميل توما والصديق سميح مسعود الذي اتى لزيارة مسقط رأسه قبل حوالي السنتين. كلنا نتعامل مع حيفا كمدينة فلسطينية منكوبة لكن هذا لا يعني ابداً التقوقع دون التأكيد على الانتماء التاريخي والحضاري لهذه المدينة والعمل الدؤوب لأجل التوضيح ومناقشة الآخر بالغبن التاريخي الذي حل بالفلسطينيين كونهم كانوا يمثلون حوالي 75 ألف فلسطيني في حيفا حتى يوم 22 نيسان 1948، ولم يبقي منهم إلا 2800. نحن نصرخ وبنفس الوقت نتفاعل ونساهم. منحي لقب “عزيز حيفا” (عام 2010)، مثلاً، جاء ليس فقط بالتصريحات والمواقف إنما بالفعل والعمل الدءوب من أجل رفع المكانة الحضارية ورفاهية السكان العرب داخل بلدهم وإعطائهم شعور بأنهم جزء من شعبهم ومكانهم. أنا أعتز بهذا الانتماء وأعتز بأن لدي في حيفا كنز من المحبة.

هنالك “طفرة” لدينا في كم الفنانين والأعمال الفنية التي يخرج قسم كبير منها من مدينة حيفا؟

هذا واضح، وهو أمر إيجابي جداً ومسر ومفرح وهو ناتج عن أمور عدة كون حيفا بالفترة الإنتدابية كانت بمثابة مركز إشعاع لمبدعين محليين وأيضا من الخارج – حتى عبد الوهاب وأم كلثوم كانوا هنا بسنوات الثلاثين وغنوا بالسينمهات (لم تكن لدينا مسارح). أعتقد بأن اسمهان كانت هنا كذلك. حيفا ايضاً، من ناحية جغرافية، تبعد دقائق عدة عن عكا وعن طمرة وشفاعمرو وعن الناصرة. لا شك بأنها أصبحت البيت الدافئ لكل فنان- هذا كله بجهود الأشخاص “فما حدا يحملنا جميلة وما حدا يحملنا جميلة كذلك على الحي الألماني لأن المخطط ما كان المفروض يكون بهذا الشكل بتاتاً وما كان مخطط تكون في مقاهي عربية وما إلى ذلك”. الجودة السكانية، أضفت لحيفا طابع معين فقدم الكثيرون من القرى ليزاولوا المهن الحرة، كالأطباء في المستشفيات، وذلك كما قلت بسبب الجانب الجغرافي والإجتماعي. مع ذلك، فلا شك بأن الأحياء العربية في تراجع كحي الحليصىة ووادي النسناس اللذان يعانيان من مواضيع السكن ومنح القروض إلى جانب الهجمة غير المعلنة للاستيلاء على بيوت الناس وتحويلها لمنشآت يهودية. بكل الأحوال، أتصور بان التواجد النوعي من السكان ساهم في رفع المستوى الثقافي.

هل بالإمكان القول بأننا قفزنا قفزة نوعية وتوعوية بكل ما يتعلق برؤيتنا للفن؟

يمكن بسبب نشاطي في مجال التوعية، إستطاع قسم من الفنانين الشباب أن ينتظموا وأن يدرسوا موضوع الفنون الجميلة، هذا بعد أن كان هنالك ثلاثة عرب فقط يدرسون الفنون دراسة أكاديمية منذ 1948 وحتى سنوات السبعين- ابراهيم ابراهيم من الرينة وعبد يونس اللذان درسا في “بتسلئيل” إضافةً لي. نحن نشهد بأنه ومنذ سنوات التسعين من القرن الماضي، بدأنا نرى العشرات من الشباب في الكليات والمدارس الفنية وإلخ. واليوم، بعكس المتوقع من العطاء المقنن، نقفز قفزة رهيبة، ولكن عقلية التحاور مع الإبداع الفني كحاجة إجتماعية وثقافية ما زالت محدودة في الحيز. نسبة الإلتحاق بالمدارس الفنية بالمقارنة مع عدد المتلقين هي أكبر بكثير، ولكن نحن على أمل بان نجد بيئة مريحة أكثر في المستقبل للفنان وللجمهور. هناك إقبال أكثر اليوم إلا أن نسبة المشاهدين العرب تكون أقل أحياناً من نسبة اليهود حتى في المعارض التي تقام في صالة العرض بأم الفحم لنقل. النهج القابل للتغيير أن يأخذ الجمهور موضوع الفنون على محمل الجد ويعتبره كأداة هامة – هنالك أواسط بدأت تدرك ذلك وهذا معناه بأن وضعنا أفضل فمن ناحية الفنان بيئة كهذه تكون حتماً مشجعة أكثر بكثير.

توصيات:

التركيز على النصب التذكاري كأحد أبرز الأعمال والذي من الممكن بأن يكون مدخلاً جيداً أيضاً لعرض حالة فلسطينيي 48.
التركيز على علاقته وتأثره بليئا غرونديغ واستعراض الصلات بين الأعمال والمواضيع التي تناولتها.
روابط هامة:
موقع الفنان عبد عابدي، هنا.
صفحة الفنان على الفيسبوك، هنا.
روابط أخرى:
“عبد عابدي: خمسون عاماً من الابداع”.
مقابلة طويلة في برامج تلفزيوني على حلقتين، هنا وهنا.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

Copyright International Art Colony © 2020. All Rights Reserved

Privacy Policy / Terms of Use / Contact Us