Back to all Post

حوار مع الفنان البصري سمير سلامة ١٩٤٣ – ٢٠١٨

Spread the love

ليست غايتي بأن يكون لدي جمهور او ان تباع لي لوحة ويصبح لدي الكثير من المال. انا مكتفي من حياتي المادية وآكل وأشرب ببساطة. ما يعنيني بأن أصنع الفن فقط

أنا من مواليد صفد، وتحديداً بتاريخ 16.8.1944. عائلتنا هجرت الى سوريا ولو أنه بقي لنا أقارب في مجد الكروم، عمتي واولادها. لا أذكر أي شيء من فلسطين من فترة طفولتي. سكنا في درعا بجنوب سوريا على الحدود الاردنية وبقيت هناك حتى جيل 29. في سوريا تعلمت بكلية الفنون بدمشق حيث تخصصت بالتصويرالرسم، وتخرجت سنة 1972 بامتياز. “بعد بفترة فليت على فرنسا- ولدنة”، ولكنها بصراحة كانت صدفة فقد كان لي صديق- مصطفى فتحي- صديق الطفولة والعمر والذي حصل على منحة دراسية في باريس وبقينا انا وهو على تواصل من خلال المراسلات. في باريس هناك الكثير من المتاحف والمعارض ويكفي اللوفر والكلاسيكيات التي بالامكان رؤيتها لهذا فقد كنت ازوره بالصيف لأعود الى سوريا. كان من الصعب علي الحصول على فيزا لفرنسا لأنني حملت وثيقة سفر وليس جواز. بالنهاية نصحوني بأن انتسب للبوزار (مدرسة الفنون الجميلة) في باريس لاحصل على اقامة كطالب. كان ذلك بالسبعينات وقد تقدمت ثلاث مرات بطلب فيزا وكلها رفضت، حتى تقدم فاتح المدرس بتوصية لعميد كلية الفنون عندها، عندها حصلت على الفيزا وسافرت، وايضاً هناك أنهيت دراستي بمستوى جيد، وقررت أن استقر هفي فرنسا.

متى عرفت بأنك تريد أن تكون رساماً؟
في بداية مرحلة الاعدادي بدأت أفكر بالرسم بجد أما قبلها بالمرحلة الابتدائية فكنت كالبقية، أخربش على الدفتر. لم يكن هناك تعليم مهم بالابتدائي ولكني أذكر بأننا كنا نبقى بالصفوف بالشتوية، وكنت ارسم رفاقي بالصف فكانوا يعرفون بأن هذا يوسف وهذا حنا والخ. على ما يبدو كانت لدي مقدرة لأن أقترب من الكلاسيك وكنت استطيع ان ارسم بورتريه حتى بصف الرابع والخامس. أذكر في صف السادس اقمنا معرض فحصلت على جائزة قلم حبر، وكان استاذي سعيداً وفخوراً بحصول تلميذه على الجائزة فقلت له أمام المدير والمعلمين الآخرين- ولكنك كنت تضربني على يداي عندما كنت أرسم!
في الاعدادي كان هناك استاذ اسمه أدهم اسماعيل، تعلم في روما وعين بفترة الوحدة العربية مدير عام الفنون التشكيلية في الجمهورية العربية المتحدة أيام جمال عبد الناصر بفترة الخمسينات. عندما حدث الانفصال عام 63 أظن عاد الى منصبه كأستاذ رسم في درعا. وكما يقال رب ضارة نافعة فلحسن حظي بأنه أصبح استاذي- بفضل الانفصال! عندما دخل الى الصف سألنا “مين بعرف يرسم؟” فأشار الطلاب الي فطلب بأن يرى رسوماتي. أحضرت له دفتر الرسم الذي كان مليء بالخربشات فسألني “بتلون؟”. في حينه لم يكن هناك مجال لأن نشتري الالوان لهذا فقد كنت احضرها لوحدي، كان يسموها ألوان بودرة. أحضرت له لوحة (فقدتها منذ ذلك الحين ولكن لدي صورة لها) كانت لطبيعة صامتة- صينية من النحاس عليها باذنجان وتفاح وبندورة وشرشف وعلبة تنك كانت امي تستخدمها- مرسومة بالألوان. عندما رأى اللوحة سألني لماذا أرسم مثل سيزان ولم تكن لدي فكرة ما هذا سيزان او من هو. فأحضر لي كتاب عن سيزان بالايطالية فتعرفت عليه وعلى غيره من الانطباعيين. لقد كان أدهم أهم استاذ بالنسبة لي خاصة وأنه لم تكن هناك كلية فنون، ومن كان يحصل على منحة كانوا يرسلوه للدراسة بالخارج. من حظي بأن أدهم أصبح استاذي ووضعني على السكة الصحيحة ومنحني الاهتمام المطلوب. دائماً كان هناك موضوع اعمل عليه تحت اشرافه على خلاف بقية الطلاب اللذين رسموا التفاح وأمور من هذا النوع. علمني لسنة واحدة فقط، لمدة ساعتين بالأسبوع، أي انني بالمجمل تعلمت منه لفترة لا تتعدى الستة أِشهر. في البداية قال لي ما عليك الا ان تحضر دفتر رسم وقلم رصاص فكنت ارسم وهو يتابع عملي ويمنعني من استخدام الممحاة. انهيت دفتراً كاملاً ربما وانا ارسم على الورق واتدرب على درجات الضوء واللون. بعد ذلك علمني على خلط الالوان والرسم بالريشة. لم يبق من هذه الفترة شيء فالدفاتر طبعاً كان تحرق بالفرن لكي تحضر أمي الخبز لنا! هكذا لم أعد بحاجة لأستاذ منذ الصف العاشر، حتى أنني شاركت بمعارض من قبل دخول كلية الفنون فهناك لم يعلمونا حقاً ولم يتعاملوا معنا كطلاب فقد كان هناك محمود حماد مثلاً الذي يعرفني منذ أن كنت صغيراً، وفاتح المدرس، ونصير شورى والياس زياد وغيرهم. حصلت على الشهادة فقط لكي أعيش، لم استفد لا منها ولا من شهادة فرنسا. “التعليم مضيعة للوقت!”. كنت أدرس وأعمل في الاجازات الصيفية وأسافر ايضاً لمركز الفنون التشكيلية بدمشق حيث كنت ارسم مع ادهم ومع ناظم الجعفري الذين كانوا يعملونني كأساتذة بعد ان تم اختياري بمسابقة كانوا ينظموها.


Samir Salameh working at the International Art Colony, and Samir Salameh in a historic filmed visit to Safad, his hime town from where he was uprooted. Photography by Amir A. Abdi, 2016.

وكيف تقبلت العائلة توجهك للمجال الفني؟
في البداية لم أعرف أنا نفسي بأنني اريد أن اصبح فناناً. فكرت بدراسة هندسة العمارة او مجال من هذا النوع. العائلة أيضاً اعتقدت بأنني سأنهي التوجيهي لأذهب لدراسة الطب او الهندسة. لهذا عندما قررت الذهاب لكلية الفنون، ابي رحمه الله الذي كان شيخاُ بسيطاً وسمع ما تقوله الناس قال لي”يابا هذا الرسم اللي بتعمله بطعمي خبز؟”، فقلت له أقل ما فيها سأكون مدرساُ للرسم مثلي مثل مدرس الرياضيات او التاريخ. اليوم، مع الأزمة الحاصلة في سوريا، صرت أبعث لهم المال الى سوريا، ودائماً أمازح أختى فأسألها “الرسم بطعمي خبز ولا شلون؟!”. الرسم مثل “السوسة” والا ما الذي يجعل الفنان يرسم حتى يموت وكأنه لا يوجد شيء آخر يقوم به. لا شفاء من هذا المرض. شخصياً رسمت الكثير ولو أن عملي خف هذه الفترة بسبب المرض ولكنني رسمت بالسنة الماضي مثلاُ حوالي 40 عمل منها الصغير والكبير ومن بينها أعمال بحجم متر ونصف بمتر ونصف.

على ماذا اعتمدت في أعمالك الاولى؟
دائما كان هناك قلم رصاص وحبر صيني والوان مائية وترابية مع زيت. تأسيس اللوحة والألوان كانت صناعة محلية- لم تكن هناك الوان وفرش لهذا فقد كنت أشتري الالوان الاساسية كبودرة واحضرها بنفسي، كما كنت أرسم بفرش الدهان التي استخدمها حتى اليوم. في تلك الفترة كنت أرسم طبيعة صامتة، بورتريه لابن اخي او ابنة اختي. عندما انتقلت للثانوي وأصبحت أوعى بقليل، صرت اقصد المكتبة عندما أذهب الى الشام واختار كتب عن الفن وانسخ اللوحات منها نسخاً. الالوان ربما لم تكن مئة بالمئة ولكني تعلمت هكذا تقنيات الالوان لدى الانطباعيين. بمنتصف عام 1967 تقريباً كنت قد تمكنت من ادواتي بالإمكان القول، وبعد ذلك بعام صرت أرسم بطريقة جيدة بعد ان استوعبت كيف يعمل الانطباعيين والمدرسة الانطباعية. في تلك الفترة كنت أقصد بلدة معلولا شمال دمشق، التي كان الكثير من الفنانين يقصدونها في حينه، وأصبح لدي أصدقاء ومعارف هناك مكثت لديهم لفترات- وقد كانت هذه القرية مدرستي فهناك وجدت خطي، وعندما دخلت كلية الفنون بدأت بإجراء التجارب حيث رسمت الحارات القديمة في دمشق بتبسيط أقرب الى التجريد منه الى الواقعية المباشرة. بإمكانك ان تري نفس العناصر التي تظهر بلوحاتي من تلك الفترة وأيضاً بلوحاتي اليوم، كالخطوط الملونة.

في تلك الفترة نشطت أيضاً على مستوى الحركة الفنية؟
كنت عضواً مؤسساً باتحاد الفنانين التشكيليين الفلسطينيين. في حينه كنت في السنة الثانية او الثالثة وعقد مؤتمر في دمشق سمي أظن المؤتمر الفني القومي العربي وشارك به ممثلين من العراق ومصر وغيرها، وأتى اسماعيل شموط ليمثل فلسطين وانا من سوريا (هناك صورة مع اسماعيل وشخصيات أخرى). تقرر خلال المؤتمر اقامة اتحاد عربي، والذي انشأ عام 71 او 72، وكان على كل دولة ان تبني نقابة او اتحاد خاص بها، ونحن أردنا بالطيع ان نكون جزء من الاتحاد العربي فقررنا ان نقيم اتحاداً فلسطينياً أيضاً. المؤتمر التأسيسي الاول عقد في بيروت (وأعتقد بأن الورقة التي عملنا عليها موجودة لدي وربما أيضاً لدى ابراهيم). اسماعيل كان على علاقة بأبو عمار ومنظمة التحرير فقلنا لهم بأننا بحاجة الى فروع لأنا موزعين في بلاد مختلفة. مجموعة من الفنانين في الضفة اقامت رابطة هناك والتي كانت بمثابة فرع للاتحاد مثل الفرع في لبنان وسوريا والاردن.

لكنك انتقلت بعد ذلك لفرنسا؟
نعم، بشهر آذار 1975 وكان عمري حينها 29 سنة، وكان من الصعب ان استمر بزيارة سوريا واقامة المعارض هناك. بالطبع اصدقائي في سوريا والمطلعين على الفن استمروا بمتابعة عملي ولكني لم اقيم المعارض هناك بعد ان استقريت في فرنسا. مع ذلك فقد عرضت بالعديد من الدول العربية كمصر، الكويت، الامارات العربية (دبي، ابو ظبي، الشارقة والخ)، البحرين، الجزائر، المغرب، تونس، لبنان وعلى القمة فلسطين. كما عرضت بمعظم دول اوروبا، كندا، كوبا، اليابان وغيرها. المعارض الفردية اظن تجاوزت العشرين أما الجماعية فممكن أكثر من 100 (موجودة بالسيرة الذاتية). الفنان بنهاية المطاف لا يهمه حقاً ان عرض في باريس او في رام الله.
لماذا قررت أن تستقر في فرنسا؟
المجال للتطور كان افضل بكتير، بلد كله فن مليء بالمتاحف والجاليريهات والمعارض لأكبر الفنانين، وكل هذا يغني رؤيتنا البصرية بينما في بلدنا نبقى نجتر الامور. ربما اليوم من الاسهل مع الانترنت ان يدخل أي شخص ويطلع على الفن بكل مكان ولكن في تلك الفترة الامكانية كانت محدودة وكان ذلك مهماً جداً لإغناء التجربة الفنية، وباريس أغنتني بالتأكيد ولكن يبقى المعلم الاول للفنان هو جهده، خبرته، مدى حب الاستطلاع لديه. كل هذا يلعب دور في كيف يكون الفنان فناناُ بحق.

ولماذا اتجهت للرسم التجريدي بالذات؟
في البداية، خلال فترة البحث والدراسة بكلية الفنون بدمشق، عملت بأسلوب واقعي أكاديمي، فالفنان ابن بيئته لكن المفردات البصرية تجعل الفنان يذهب باتجاه معين فحتى بالواقعية كنت اميل الى تبسيط الامور لكي تكون فيها حياة. عندما وصلت الى معلولا، وهي قرية صغيرة ولكن جميلة على بعد 50 كيلومتر من دمشق، اكتشفت فيها شيء جميل جداً ويبدو بأنها أثرت بي حتى اليوم فقد بدت وكأنها مبنية مثل هذه اللوحة التي أرسمها الآن- بيوت مركبة فوق بعضها البعض، هنا شباك وهناك خشب، وكأنها تجريد. وكأنني “انختمت” او “انطبعت” وتأسست بالتبسيط لمستوى معين، وفهمت بعد ذلك بأن علي أن أبحث لكي أتطور كفنان لا ان اكون اسير فكرة او اسلوب وان اضع نفسي بهكذا قفص فظليت اطور نفسي. لدي لوحات من الواقعية الى التبسيط وحتى التجريد الذي لم أصله فجأة او بدون جهد او كهروب كما يعتقد البعض لأنني لا استطيع الرسم فمن لديه عين وتجربة يبصم بلا جدال بأن هذا عمل فني. مع ذلك فأنا لا أقول عن نفسي فنان حتى اليوم. أنا امارس الفن التشكيلي بحدود امكانياتي وما استطيع ان اساهم به بما يرتقي لمستوى عمل فني. الحكم، تاريخياً وفكرياً، يعود للتاريخ والنقاد ليحكموا ان كنت فناناً أم لا. لهذا لا افهم كيف يقوم الكثير من الشباب الفلسطينيين الصغار بتسمية أنفسهم فنانين فمن غير المعقول بأن نحكم على عدة شجرات كغابة، يجب أن تكون هناك آلاف الشجرات. للأسف نحن في ورطة من هذة الناحية فمن المؤسف او المحزن بالأحرى بأنه لا يوجد لدينا نقد للحركة التشكيلية الفلسطينية وهذا يؤثر كثيراً على تطويرها. كل الحركة التشكيلية الفلسطينية المساهمين فيها هم الوحيدين الذين يحاولون التأثير والتطوير، عدا عن ذلك لا توجد مساهمات ذلك اضافة الى الغربة والشتات والقرف. نتمنى بأن يكون الجيل الجديد أفضل منا وأن يساهم بتطوير الحركة التشكيلية بشكل مسؤول فالفن مسؤولية وليس “شمة هوا”. اكثر شيء يعذب الفنان بان يكون مسؤولاً لهذا فالفنانين الجديين هم من يأخذون المسؤولية على عاتقهم عادةً. لقد ذقت الأمرين بحياتي فقد تعبنا كثيراً حتى وصلنا الى هنا بدون متحف ولا جاليري ولا أي شيء. من الصعوبة بأن تكون فناناً فكم بالحري بأن تكون فنان وفلسطيني. الصعوبة مضاعفة عما يتحمله غيرنا مع ذلك بقينا أمينين وحاولنا ان نعمل بشكل مخلص للحركة التشكيلية وان ننسى “الايجو” لكي نوصل رسالتنا ونصل الى مكان جيد.

ولم تجرب أساليب أخرى لاحقاً؟
بمرحلة من المراحل بسنوات الثمانين بفرنسا جربت استخدام الخط العربي والكولاج والألوان، وفي مرحلة أخرى استخدمت الشعر، كقصائد محمود درويش وسميح القاسم ومعين بسيسو ولوركا، وكنت أضيف عليه ألوان وكولاج وغيرها ولكنني عدت الى التجردي.
بمن تأثرت عربياً وعالمياً؟
على المستوى العربي ربما في بداية المسيرة تأثرت بالأساتذة في الكلية والحوارات التي كانت لنا معهم خاصة وأنه لم يكن بقسم التصوير الا اربعين طالب تقريباً ومن بينهم كنا اربعة او خمسة فنانين ومعروفين ونشارك بالمعارض الكبيرة ويكتبون عنا بالصحافة والخ. كنا جيدين لهذا فلم يكن للاساتذة تأثير بقدر ما كان هناك تأثير للتوجهات. على المستوى العالمي، في البدايات تأثرت بالمدرسة الانطباعية، كل الانطباعية فلم يكن لدي فنان مفضل على آخر. فيما بعد، عندما بدأت بالتفكير أكثر وانكشفت على امور أكثر، لن أقول تأثرت ولكني أحببت رامبرانت بفضل معالجته للضوء والتقنيات. كما أحببت سيرجي بلياكوف الذي عاش بفرنسا أيضاً ولو انه من أصل روسي، والفنان الايطالي موراندي لانه مبسط، والروسي نيكولا دستيل، وكلهم تجريديين ما عدا رامبرانت الذي كان واقعياً ولكنه قريب من التجريد. كل هذا الاطلاع بالاضافة للخبرة والرغبة والتراكمات مع الزمن اوصلتني لما اقوم به اليوم. كل الفنانين الموجودين معنا هنا (بهنغاريا) يجب التأكيد يقومون بما يقدرون عليه وليس فقط ما يحبون. كل واحد يقوم بما يقدر علي ويحبه والا لكنا نسخة عن بعضنا البعض. كل واحد منا يختلف عن الآخر ولكننا نكمل حلقة او كادر الحركة الفنية التشكيلية وهذا التنوع ضروري ومهم. “ما بصير لانا اصحاب حق او مشكلة نصير نسخة عن اسماعيل شموط او عن أي حدا ثاني.. كان اكلنا هوا!”. لهذا فعندما نقدم الفن التشكيلي الفلسطيني بشكل معاصر نرى بأن هناك تنوع، سليمان شيء وتيسير شيء آخر وأسد شيء ثالث وابراهيم رابع ولو انه يسبقنا بكثير. هذا غنى، يغني المفاهيم والرؤية.
بالطبع من الأصعب بأن يتقبل الجمهور الفن التجريدي مقارنة بغيره؟
طبعاً فبالنسبة لي لا يوجد غير المهنيين- الفنانين، النقاد، والمثقفين الذين يقومون بجمع الأعمال، عدا عن ذلك لا يوجد لدي جمهور، ولا يعنيني ذلك كثيراً فليست غايتي بأن يكون لدي جمهور او ان تباع لي لوحة ويصبح لدي الكثير من المال. انا مكتفي من حياتي المادية وآكل وأشرب ببساطة. ما يعنيني بأن أصنع الفن فقط لهذا فلن تجدي في أعمالي ما يشير الى فلسطينيتي مثلاُ ولو أنني تعاطيت مع موضوع فلسطين فترة من خلال لوحات انجزتها مرتبطة عاطفياً بالقضية وفيها من الكلاسيكي من ناحية فنية مثل لوحة تل الزعتر من عام 77. كان ذلك في تلك الفترة قبل دخولي للكلية. جميعنا خضنا هذه المرحلة. كما تعاملت فترة كما قلت لك مع الخط العربي ولكن استخدام الخط العربي صار مبتذلاً لأنها أصبحت موضة فعدت للعمل الصحيح. المثقفين والواعيين كلهم يدركون بأنني لست بحاجة لأن أرسم فلسطين لكي أكون فلسطيني. ألا يكفي بأن أعرض وأثبت وجودي بفرنسا وأن يقول الكل بأنني فنان فلسطيني- بدل أن يقولوا عنا ارهابيين! آخر معرض لي كان في مدينة نان الفرنسية واقيم تحت عنوان “ألوان فلسطين”. هذا يفي بالغرض برأيي.

متى كانت اول مرة زرت فيها فلسطين؟
المرة الاولى بحق لم تكن عندما اتيت الى رام الله بالتسعينات انما في عام 60 او 61 عندما تقمصنا هوية طلاب سوريين ودخلنا الى البلاد برحلة مدرسية وزرنا القدس. لا أذكر التفاصيل ولكنني أذكر بأن بدني اقشعر عندما نزلنا في أريحا. بعدها ذهبنا الى رام الله وبيت لحم والخليل ونابلس، زرنا كل الضفة وعدنا الى سوريا. “هيك كانت اول زيارة تهريب بتهريب.” ثم في ال-96 ذهبت الى البلاد وبقيت حوالي 12 سنة على الخط بين باريس ورام الله. عملت مع الهلال الأحمر في رام الله وغزة وخان يونس. عندما عدت في حينه التقيت بشخصين مهمين بالبلاد- ايلان هليفي، فلسطيني يهودي، والياس صنبر، أديب ومترجم كان سفيرنا في الاونسكو، واللذان أخذاني الى الجليل ومن هناك كان من المفترض ان نذهب الى عكا وبعدها ان نعود الى القدس ولكنهما أخذاني الى صفد لأول مرة في حياتي. الياس كتب نص بالفرنسي عن هذه الزيارة “الدراما”. عندما وصلنا الى الجامع بدأ ايلان يحكي لنا تفاصيل تاريخية وجغرافية حتى دخلنا الجامع الذي تحول الى جاليري. اخرجت الكاميرا لاصور بعض الصور فجاءت امرأة وبدأت تصيح بالعبرية. لم أفهم منها شيئاً. عندما خرجنا فهمت بتلك اللحظة بأنني في صفد، المكان الذي “شلحوني اياه”. يطردونني من حيث ولدت. دخلت في حالة انهيار غير طبيعية. ايلان والياس وضعوني في السيارة وذهبنا في طريقنا دون ان نكمل الزيارة. بعد بضعة سنوات كنت في زيارة لدى انطون شلحت بعكا- وعلى فكرة كنت اعرف انطون وايميل حبيبي وسميح القاسم وتوفيق زياد من ذي قبل وكنت التقى بهم في باريس- انطون وسامية قزموز وزوجها أخذوني في جولة باتجاه الشمال حتى وصلنا لرأس الناقورة والنقطة التي كانت الفاصل بين فلسطين ولبنان، الطريق الذي كانت السيارات تمشي بها. عندما بدأنا ندخل بقرى احفظ اسمائها كالجاعونة عرفت بأننا نقترب من صفد، ولمى اقتربنا من المدخل كاشفوني بأننا داخلون الى صفد فرجوتهم بأن نعود أدراجنا، وهذا ما حصل. “صعبة” طبعاً فأنا لست سائحاً. بعد عدة أعوام تأقلمت وصرت اروج وأجيء لوحدي، وفي يوم من الأيام اخذت احد اقربائي وذهبت معه الى صفد. انتم في الداخل تأقلمتم اما من يأتي من الخارج فيستصعب في البداية. في تلك المرة تجولت والتقطت صور والتقيت بيهودي مغربي أخذني الى الكنيس.
وكيف أثر بك هذا اللقاء؟
أنا بقيت كما أنا ولكن برز هذا الجزء في الذي يتسائل ماذا يمكن أن أقدم كفنان، وقد قدمت خبرتي في الفن لمجموعة من الشباب كانت تربطني بهم علاقات كهاني زعرب ورأفت الأسعد، ومعين حسونة وبشار الحروب. كما شاركت بالحوار مع سليمان ونبيل وخالد حوراني واعدنا تنشيط الرابطة ولو انها تفككت مرة أخرى بعد ذلك. بتلك الفترة طرحوا علينا امكانية لتأسيس أكاديمية للفنون- هي نفسها الموجودة اليوم- بتمويل نرويجي، وكنا نحن الثلاثة بالاضافة الى خالد. قلنا الرابطة لم تخرج بنتيجة فلنضع جل همنا بالجيل الجديد.
هل هناك معارض مميزة تحب الاشارة اليها؟
معرض “مليون شهيد مليون حياة” الذي اقيم مع بداية الانتفاضة عام 2000. أحضرت أغراض شخصية للشهداء حصلت عليها من العائلات ووضعتها في صناديق زجاجية وكتبت قصص شخصية وعفوية سمعتها عنهم وعرضت صورهم. المعرض أقيم للمرة الاولى في مركز خليل السكاكيني برام الله ومن ثم بالناصرة وأظن بعمان، دبي، ابو ظبي، الشارقة، بيروت وفي اربع مدن باليابان- هناك حملنا صور الشهداء وتجولنا بالشوارع (هناك صور وتسجيل فيديو ربما وهناك مقابلة مع زاهي وهبي عن المعرض). بقية معارضي كلها كانت رسم.
معرض آخر هام كنت من منظميه عام 77 حيث كنت اجمع اعمال واحضر دراسة لاقامة متحف لفلسطين فتوجهت لي منى السعودي التي كانت في بيروت وكانت تفكر بإقامة معرض عالمي لفلسطين، فأقمنا معرضاً في بيروت شمل اعمالاً احضرتها لفنانين عالميين كفيزاريلي واعمال من اوروبا وافريقيا وامريكا وامريكا اللاتينية، احضرنا كل ما استطعنا احضاره. وقد حصل اجتياح بيروت بعد ذلك فقالوا لي بأن الاعمال ذهبت ولكنني سمعت فيما بأن هذا بيع وهذا سرق!!
كان هناك تفكير بمعرض استيعادي وجمعنا الكثير من المواد (موجودة لدى ربي في رام الله) ولكنه لم يقام حتى الآن.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

Copyright International Art Colony © 2020. All Rights Reserved

Privacy Policy / Terms of Use / Contact Us