Back to all Post

حوار مع الفنان البصري ابراهيم هزيمة

نبذة عن الفنان ابراهيم هزيمة

ولد الفنان إبراهيم هزيمة في مدينة عكا في العام 1933، ولجأ مع أسرته بعد نكبة فلسطين في العام 1948 إلى الجمهورية العربية السورية حيث استقر في مدينة اللاذقية. برزت موهبة هزيمة كموهبة فنية فطرية ظهرت ملامحها في سن الخامسة من العمر، وذلك عند رؤيته لرسامة أوروبية جالسة في المقهى الذي يعمل به والده، فوقف أمامها لساعات يتأمل ما تقوم به هذه الفنانة، وعندما عاد إلى البيت بدأ يرسم خطوطاً وملونات. ثم تطورت موهبته في المرحلة الدراسية على يد الأستاذ عبد الرحمن قباني الذي شجعه وساعده في تهذيب أدواته الفنية ونضوج حسه الفني بشكل موجه ومنظم. ودأب هزيمة على تطوير نفسه بنفسه حتى بدأ بتدريس الفن في المدارس بسوريا وهو ما زال في سن التاسعة عشر رغم أنه لم يكن قد درس الفن بنفسه بعد. وقد أصبح بعدها معيداً في كلية الفنون، حيث قام في تلك السنوات بتقديم دراسة في معهد فرنسي كانت بمثابة دراسة تأسيسية للتعرف أكثر على الادوات التقنية والمصطلحات الفنية.
في العام 1960 مكنته موهبته من الحصول على بعثة دراسية لاستكمال دراسته الأكاديمية الفنية في ألمانيا بمدينة لايبزيغ، حيث درس فنون التصوير في أكاديمية الفنون الجميلة لدى البروفيسور برنهارد هايزش ولقي تفهماً عميقاً ساعد في صقل موهبته وتطور عمله الفني أثناء فترة دراسته.  تخرج بتفوق في العام 1963 وعمل كمعيد في معهده لمدة خمس سنوات، وقام بعملية هضم واستيعاب للفن الأوروبي، من خلال دراسات واسعة وعميقة محورها الفنانين المشهورين في أوروبا، الأمر الذي ساعده في تكوين أسلوبه وخطه الفني الخاص والمتميز. وطابت له الاقامة في مدينة برلين الالمانية فاستقر فيها وما زال يسكن هناك حتى اليوم.
من أحضان التعبيرية الألمانية، راح هزيمة يبعث من خلال لوحاته تصاميم لأحياء عربية، جوامع وكنائس وقبب، نساء باللباس التقليدي يحملن خيرات البلاد، أولاد يلعبون في الشارع، أمهات يحملن اطفالهن وغيرها من الثيمات التي أصبحت طريقته في اعلان ارتباطه بأرض فلسطين والتعريف بها. وكما يكتب غسان دهشان ومارغريت حصري فهزيمة يعيش هاجس فلسطين التي تسكن بداخله، وقد شكل التراث الفلسطيني الراسخ في ذاكرته نقطة تجاذب بين ريشته وألوانه فقام بتشكيل وبرسم الصور لتعبر عن بنيانه الوجودي كإنسان مشتاق ومتعطش لوطنه المفقود وطفولته المسلوبة وشبابه المنثور في البلاد المختلفة.
مدينة عكا في قمرها وبحرها وبيوتها العامرة وناسها الطيبين حاضرة بقوة في لوحاته التصويرية لا تغادر ذاكرته. هي ساحة فنه وميدان جامع لمخيلته وميدانه التعبيري البصري والوجودي. وقد شكلت المدن والقرى الفلسطينية عامةً وعلى الأخص مدينة القدس وطمره وكفر ياسيف وغزه ورام الله قاعدة فنية تعبيرية زخمة تعبر عن انتماءه الوطني لفلسطين. أما البيوت الريفية فمثلت عمقاً كبيراً في أعمال هزيمة حتى كانت بمثابة بصيص أمل لانفعالاته الحسية والعاطفية التي تصنع من الشجر والنسوة حاملات الأطباق بمثابة ولائم بصرية لمكونات الحالة والموقف التشكيلي. أما بالنسبة للمرأة فقد تجسدت بقوة في أعماله كمن ترمز للأم والعطاء والصبر والمحبة والارتباط بالجذور. الشخوص لديه محملة بالرمز ومسكونة بعالم الطفولة الفرحة والقلقة. عيون مندهشة ومنتظرة ومبصرة باتجاه الغد الآتي والمحمل بالفرج القريب وأطياف العودة لأرض الأهل والجدود. أشخاص يحملون سمات وخصائص الشعب العربي الفلسطيني من هيئات الوجوة المدورة والمتدثرة بأغطية الرؤوس التراثية والأجساد المزينة بأثواب مطرزة بملونات وخطوط وزخارف فلسطينية.
أكثر ما تعكسه أعمال الفنان إبراهيم هزيمة هي روح المكان الممتزجة مع الإنسان، فالمدن والحارات التي رسمها تصبح كما الحلم تحت إشراقة شمس متجددة متوهجة بالأمل، ويكاد لحن حركة النساء في هذه الأمكنة التي يرسمها أن يسمع كحياة يمكن قطاف بهجتها- إبراهيم يعزف هذا اللحن كل مرة مشبعاً بالضوء وكأنه يريد القول: إن الحياة ستعود إلى هذه الأرض ولا بد أن تعود. وقد جعله ذلك الأكثر رومانسية في توصيفات فضاء الجغرافية والطبيعة الفلسطينية، ذات التوجه الرمزي المُحمل بتجليات الواقع والتراث.
لوحاته مفتوحة على الاتجاهات الواقعية التعبيرية والتعبيرية الرمزية، وكما يقول الفنان والناقد عبد الله ابو الراشد: “الفنان هزيمة يعد حالة متفردة في الفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر وخارج عن سرب الرسم التقليدي وله طريقته الخاصة في رصف واختيار مفرداته وتوزيع عناصره التشكيلية وأساليب معالجته التقنية من خط ولون وبنية تركيبية لمعالم نصوصه البصرية ومقاماته. تلك المأخوذة بالاتجاهات التعبيرية بالفن والمتكئة على حدائق الوطن الفلسطيني المستلب وما تبقى من مخزون التراث الشعبي الفلسطيني العالق في ذاكرة الفنان وحيز تفكيره وموهبته وخبرته. يتنسم انغامه ويعيش تفاصيله التذكارية عبر نصوص تشكيلية حافلة بذاكرة المكان الفلسطيني المتخمة بحركية اللون ورقص المعاني وتناغم المرصوف الايقاعي لجمالية الخط واللون المعبرة عن حكاية شعب وتاريخ وطن ومواطنة. تفرد اسلوبي لفنان عرف اسرار صنعته وطرائق توصيل رسائل حبه وهيامه بمساحة الوطن.”
من جهته، يشير هزيمة: “مواضيع أعمالي الفنية تصور ترجمة لونية لمشاعري وأحاسيسي الدفينة الحية للحياة في فلسطين الحبيبة، بإيقاعات واضحة متكررة، عناصرها الإنسان، والأرض، والبيت، والشجرة، والضوء. يحتل الإنسان الفلسطيني مكان الصدارة في عملي الفني، أحلامه، ورغباته، وتشوقه إلى الحرية والعيش بأمان وسلام في أرضه الحبيبة فلسطين. الإنسان في لوحاتي يقف بثبات كشجرة راسخة الجذر في الأرض وجذعها متعالياً بأغصان في السماء. ويمكنني القول إن من يشاهد أعمالي يطل على روحي وحبي لوطني وأهلي.”

عن أسلوب هزيمة يقول ابو الراشد: “لوحاته محكمة ببنية شكلية رتيبة، مجالها الحيوي الهندسة الفراغية التكعيبية ذات المدلول المعماري البسيط المتناسل من واحات المكعب والمربع والمستطيل وقطع الاشكال المتوالدة في سياق مكرر ومتناظر ومتماثل، سواء في مظهر الجدران وفتحات النوافذ والأبواب، وعناق الخلفيات الملونة المتداعية والحاضنة للعناصر والمفردات الاساسية في كل لوحة من لوحاته والتي تبني جسراً بصرياً متوحداً في عين المتلقي كأساس معرفي وبصري دال على وحدتها العضوية كشكل ومضمون. فيها المشابهة في الشكل وأساليب المعالجة التقنية المعتمدة على امتداد المساحات اللونية من ريش الرسم والتلوين العريضة والمتوسطة والرفيعة، ترصف حدود تكويناتها في ألفة ورتابة ايقاعية مدروسة، تقوم في آليتها التقنية على توزيع متوازن للخطوط والألوان والمساحات الحاشدة بزهو الاحمر والأصفر والأزرق وتدريجاتها الاشتقاقية. تعطي فسحة لملونات قوس قزح للمرور العابر في توليفاتها البصرية كإيحاء بصري لحيز المكان والذاكرة.”
البنية الهندسية لعموم لوحاته مؤسسة على أساس تقطيع اللوحات إلى ثلاثة مستويات رؤية وبمسافات طولية وعرضية متماثلة بعض الشيء: المنطقة الخلوية العليا مخصصة للسماء وتداعيات النجوم والغيوم وسواها، والمستوى الشكلي المقابل في أسفل اللوحات فيه حسبة لونية وخطية متوازنة ومتممة ومتكاملة في ملامسها وسحنتها التقنية، بينما يعتلي وسط اللوحة جوهر الفكرة والموضوع المطروح. ولعل لوحته التي تحمل اسم “القدس بعد المطر” نموذجاً مناسباً لمجموع تجلياته الوصفية والتقنية، ومفتاحاً شكلياً لجميع تجلياته البحثية، نفذها بألوان “غواش” المائية، وسعى فيها إلى تكريس مواهبه وخبراته ودربته التقنية. وقد عبر الفنان إبراهيم هزيمة عن حسه الفني ووجوده الإنساني في كثير من الأعمال الأخرى أهمها: لوحة “الإنتفاضة”، ولوحة “إنتظار”، ولوحة “فلسطين بلد أحلامي”. أُستخدمت العديد من رسوماته كطوابع فلسطينية للمراسلات البريدية تصور قضايا وهموم الوطن والانتماء والهوية، وكان طابع سنة 2003 قد حصل على المركز الثالث لأجمل طوابع في العالم في المعرض الدولي الذي أقيم في فيينا. من مشاركاته المميزة نذكر مشروع الرسم على الدب- الذي يعتبر شعار برلين- الذي تدعمه منظمة اليونسكو، حيث ينظم سوق للمزايدة، يقدم بعد ذلك القسم الأكبر من ريعه لدعم أطفال العالم، ومن ثم تعرض الدببة في دول عديدة في العالم تحت شعار التسامح والحرية والأمن والسلام وحقوق الإنسان. الى ذلك فقد شارك هزيمة في إخراج ديوان الشاعر الراحل الكبير محمود درويش “على هذه الأرض ما يستحق الحياة” بصورة مبدعة ذات حرفية فائقة ورسومات تجسد نفس المعنى.
أقام هزيمة العديد من المعارض في ألمانيا وأوروبا وتونس وسوريا ومصر والكويت وموسكو، بالإضافة لدول أخرى، وحصل على  العديد من الجوائز منها جائزة الشراع الذهبي في المعرض الكويتي العاشر للفن التشكيلي العربي في العام 1987. أما في العام 1988 فقد انتخب رئيساً للجنة الوطنية التشكيلية الفلسطينية في اليونسكو.
يعتبر هزيمة اليوم من أبرز سفراء فلسطين الفنيين في العالم يحمل جمالياتها الى كل مكان تحل فيه لوحاته، وقامة فنية تشكيلية فلسطينية لها مكانتها في مساحة التشكيل العربي والعالمي. أما على المستوى الفلسطيني فلا شك بأنه واحد من أعمدة الفن التشكيلي الفلسطيني ومن رواده المؤسسين، وجدت أساليبه ومحتوى لوحاته طريقها إلى لوحات الآخرين كمرجعية ثقافية وبصرية للعديد من الفنانين التشكيليين الفلسطينيين.

نص الحوار الكامل


مواليد عكا عام 1933. كان عمري 17 عاماً عندما خرجنا من عكا. عندما هاجموا البلد، هرب من هرب فذهبنا الى لبنان. من هناك تفرق الفلسطينيون فانتقلنا الى حلب بسوريا لفترة قصيرة. كنت مع والدي وزوجته وأخوتي وأهل زوجة والدي أما امي وزوجها الثاني وجزء من الاولاد فتركوا بعدنا بعدة أشهر للبنان ومن هناك لسوريا حيث سألوا عن أهالي عكا حتى وجدونا فأتت امي وأخذتني معها الى اللاذقية. جدي كان يسكن بجانب اللاذقية بالقرب من الحدود التركية شمال سوريا وأذكر بأن والدتي انفعلت جداً عندما التقينا به في حينه. علاقتي معه كانت جيدة. بقيت في اللاذقية حتى تزوجت بعام 1957 ورزقت بابني الاول عمر الذي يعمل اليوم جراح عيون في الارجنتين.
وهل وصلت لعالم الفن من قبل أن تصل الى سوريا؟
نعم، بدأت الرسم في عكا. كنت معروفاً في المدرسة بالرسم بين الطلاب والاساتذة. الاستاذ الذي كان يشرف على دروس الرسم، عبد الرحمن قباني، يرجع له فضل كبير لوقوفه الى جانبي ودعمي امام كلام الأهل واعتبارهم للفن كعهر وكفر مناقض للقرآن. للأسف، بالرغم من أن هذا الكلام كله فارغ فاهتمام الناس لدينا بالفن ضئيل أقل حتى من الأدب والكتابة ولو ان الرسم سبق هذه من ناحية زمنية فمنذ القدم كان الانسان يصور حياته بواسطة الرسم وتشهد على ذلك الرسوم بالكهوف مثلاُ. بعد ذلك، بدأت أطور نفسي بنفسي فلم أكن قد درست الفنون حتى ذلك الحين. في يوم من الايام، سألت عن طريق الصدفة ان كنت أرغب في تدريس الرسم بمدرسة خاصة. كان عمري 19 سنة فقط ولكنني كنت متمكناً من ادواتي الفنية، وهكذا أصبحت المدرسة اثنتان وثلاث وصرت أدرس الطلاب من صف أول حتى البكالوريوس، وكان بعضهم أكبر مني سناً وربما يفهمون ببعض الامور أكثر مني فكنت لهم صديقاً أكثر من معلم. قضيت في التدريس حوالي سبع سنين ونصف. حتى اليوم اسماء المدارس التي درست فيها تبدو لي كالموسيقى. درست عن محبة كما ساعدني ذلك على تكوين نفسي والتمكن من عملي. كانت هذه التجربة الاولى الكبيرة من ناحيتي للمستقبل. بعدها عملت معيداً في كلية الفنون وايضاً هناك كنت اعمل مع طلابي بكل حب وكان عملي معهم مبنياً على الحوار. حتى الاساتذة كانوا يأتون الي ليطلعوا على عملي من ناحية تقنية. كنت أطور نفسي من خلال العمل واطلع على الفن بشكل متواصل من خلال الكتب- المكتبة التي أسستها أصبحت كبيرة لدرجة ان البيت ضاق بها! في مرحلة ما قمت بدراسة مع معهد فرنسي يعمل فيه اساتذة مشهورين- كان كل منهم يأتي للطالب ويحاوره ويبدي رأيه. الدراسة كانت دراسة تأسيسية للتعرف على كل الادوات التقنية والمصطلحات الفنية أكثر.
ما كانت المواضيع التي تعاطيت معها في لوحاتك بتلك السنوات.
قبل الدراسة كان الموضوع الاول والأخير ينطلق من فلسطين ومعنى هجرتنا وطردنا من أرضنا. لم أبحث عن الحرب كوسيلة او رد بل قلت بأن لكل انسان اسلوب في الدفاع عن نفسه وهكذا طورت العمل الابداعي الذي يعتمد على اسس حضارتنا. كما استرجعت تجارب من طفولتي، كيف كنت احلم بالشكولاطة واقول لامي عندما اصحو بأن “طعمتها راحت”!. كانت الاشياء تظهر لي بالرسم كالحلم. كنت مسلحاً بالوضع الذي كنت اعيشه في البيت والمدرسة. حب والدتي ووالدي وجدتي كان السند الاول الذي شجعني للقيام بما اريد على احسن وجه.
ماذا كنت تقرأ؟ بماذا تأثرت؟
كت أقرأ كل كتاب يقع بين يداي عن الفن، ومن حظي بأن عائلتي أعفتني من المساهمة في مصاريف البيت مما ساعدني على شراء المزيد من الكتب والمواد. درست كل تاريخ الفن لوحدي. لم يكن أفضل من تلك الفترة التي قضيتها في اللاذقية إلا السنوات الثمان التي عشتها في كلية الفنون بين 1963-1970 بألمانيا. الاستاذ الذي اكتشفني في سوريا كان المانياً- بروفيسور كورت هيرمان كون الذي اكتشفني بعد ان حصلت على الجوائز وأخدني الى هناك). اما الوزير خالد العظم فكان اول من يحاول ترتيب منحة لي لكي اتعلم خاصة وأنني كنت فلسطينياً ولم تكن لدينا امكانيات- العرب قالوا لنا بأننا سنعود بعد بضعة سنوات! في البداية اقترحوا علي منحة فنون ببودابست. “شعرت حالي طاير من الفرح”. وأعطوا قراراً وزارياً ونزل الخبر في الجرائد التي كتبت عن ارسال الفنان الفلسطيني لدراسة الرسم في كلية بودابست. وقد كان ذلك عام 1956 خلال حرب السويس، وبعد فترة كان هناك انقلاب في سوريا وتغير كل شيء فأرسلوا بدلاً مني طالباً من الانقلابيين لدراسة الهندسة. كانت فرصة كبيرة وضاعت. بعد أشهر من ذلك اطلع الاستاذ ادهم اسماعيل على اعمالي فاندهش وسألني لماذا لا اشارك في معرض القاهرة. قلت له بأنني عندما اسمع الاسماء المشاركة لا اتجرأ على التقدم الى جانبها. ولكنه قال لي بأنني أرسم أفضل منهم مع العلم بأنه كان أحدهم!. في النهاية أرسلت ثلاثة لوحات وحصلت على جائزة صالون القاهرة في اول معرض اشارك به عام 1957. في نفس السنة شاركت بصالون الخريف بدمشق وحصلت على جائزة ذلك العام أيضاً. في القاهرة كانت لوحة زيتية اسمها “مرفأ اللاذقية” والتي اصبحت لوحة ناجحة وعرضت بالكثير من الاماكن (شخص يمشي بقارب باتجاه لا نهائي). كنت ما ازال في ال- 24 من عمري حينها.
متى عرفت بأن الرسم سيصبح مركز حياتك؟
منذ البداية او لنقل منذ التهجير. في حينه كنت أرسم المخيمات ومن اول الرسومات التي انجزنها كانت لخيمة. كنت في بداية الطريق ولم اكن املك إلا الالوان المائية. بدأت برسم الوجوه ولهذا السبب تطورت بهذا الاتجاه. بعد ذلك بدأت ارسم المناظر الطبيعية. كنت محروماً من تلقي الدعم والتوجيه والتقدير حتى عام 1951 عندما شاركت بمسابقة اللاذقية وحصلت على الجائزة. أعطوني كأس ما زال موجود لدى زوجتي الاولى بسوريا. بعد هذه التجربة شعرت بأنني بدأت أنضج حتى سناً وقد ساعدني ذلك وعملي في المدرسة على الاستمرار وعلى شراء ما يلزمني للرسم. أذكر مرة في فرصة الصيف حين كنا نحصل على ثلاثة أشهر مقدم كان علي ان اشتري بذلتين ولكنني لم اتمالك نفسي وعندما ذهبت لزيارة والدي ببيروت قمت بشراء اول اربعة كتب عن رنوار وفان غوخ والانطباعيين. عندما وصلت الى المنايا كانت هذه الكتب نادرة فصرت اعيرها للطلاب والأساتذة. الكتاب كان استاذي الاول ولقد استفدت كثيراً من هؤلاء الفنانين. معظم المواضيع في حينه كانت واقعية لهذا فقد بدأت بشراء كتب عن التشريح ومبنى الجسم وبدأت انسخ منه كيفية رسم العظم والعضلات والحركة. درست جسم الانسان ورسمت أناساً بالدرجة الاولى. بعد ان وصلت الى المانيا كانت لدي مجموعة من 200 بورتريه. عندما كنت اشتري شيئاً جديداً من ادوات الرسم كنت اضعه الى جانبي عندما أذهب للنوم. حتى اليوم عندما ارسم أشعر بأنني طفل يلعب، وبأن اللوحة تتشكل لوحدها.
لماذا اخترت الالوان المائية بالذات؟
لأنها كانت أرخص اولاً وأيضاً لأنها أعجبت الناس فأكملت بهذا الخط. كنت ارسم على ورق اكواريل مع العلم بأنه كان ثميناً جداً. “كيف اللحام عنده سكاكينه- انا كان عندي الاكواريل والالوان”. الامور الاخرى جاءت بين بين. بعد ان يطور الفنان نفسه وينضج يتمكن من اشياء أخرى أيضاً ومع أنني تخصصت بالألوان المائية فلا توجد مادة لم اجربها. كنت ارسم بورتريه بالطبشور الملون الذي استخدمه ادجار ديجا كثيراً. كان يعجبني كثيراً واستفدت من اعماله في تنفيذ الاعمال بالطبشور. الغواش أيضاً لعب دوراً كبيراً حتى بعد ان انتقلت لألمانيا. الذي اكتشفته فيما بعد بأن هذه التجربة كانت قيمة ففي حرب غزة الأخيرة مثلاُ انجزت 12 لوحة، احداها تظهر فيها ثلاث او اربع نساء بلون بني غامق وفي الخلفية آثار الهجوم ولكن ليس على شكل “illustration”- انا لا استخدم هذه الطريقة كثيراً لكي لا تكون اللوحة سردية ومباشرة ولكي يفهمها المشاهد حتى اذا لم يكن على اطلاع بالموضوع. الثياب كانت كلها باللون البني الغامق. لم اجرب النقش والتطريز بل كنت أنظر للفستان وأحاول تثبيته في مخي ومن ثم ترجمته لأشكال أخرى أقوم بصياغتها بألواني.
هناك محطات في حياة الانسان تحتل فيها بعض الأمور، وليس فقط التقنية، دور مركزي. التقنية هي اداة لإيصال الموضوع وإذا نجح الفنان في المزاوجة بين الموضوع والتقنية فيحق له بأن يكون سعيداً وراضياً عن عمله. في تلك الفترة عندما عملت على لوحات غزة كانت لها مكانة خاصة فقد كنت حزيناً جداً لرؤية بلدي الجريح وما يمر به. لم اصور الحرب كما جرت انما كما رسخت في مخي.
ما هي المحطات المركزية في مسيرتك الفنية؟
لا شك بأن انتقالي الى المانيا كان له الأثر الكبير. ففي فرنسا وايطاليا مثلاً يميلون الى نوع من الجمال والى التجريد الذي يبتعد عن الاصل اما في المانيا والنمسا وهولندا فيميلون الى العقلانية في العمل وهذا يدل على ارتباطهم بالأشياء الملموسة والحقيقية. التجريد يعتمد أكثر على الشعور بينما العقلانية بالرسم فتتواجد بقوة بدراسة الفن بألمانيا لهذا نرى بأن معظم المشاهير هناك لم يتخلصوا من الواقعية. كنت أعتبر رامبرانت إلهاً ثانياً، اله بمجال الفن، كانوا يقولون بأنني اتحدث عنه كوالدي. ما زلت أعتقد بأنه أكبر فنان رسم البورتريه بتاريخ الفن. لا يوجد أي بورتريه لرسام آخر يوازي أعماله. لديه لوحات أذهب لرؤيتها في كل مرة اسافر وقد اجلس وانظر اليها لساعات.
ما اشغلني كانت الانسانية بالفن ومكان الانسان. الانسان لعب دوراً كبيراً بأعمالي لا سيما الانسان الفلسطيني وعلى وجه الخصوص المرأة الفلسطينية التي تظهر في اعمالي وكأنها شجرة مغروسة في الأرض، كنخلة جذورها في الأرض ورأسها بالسماء، وهي بوقفتها هذه تمثل عدم الانكسار والخضوع وأيضاً قوة المرأة كأم وكرمز- فنحن عندما نتحدث عن الوطن نقول الوطن الأم وليس الاب كما يقول الالمان.
لقد اتخذت من الفن الاوروبي قاعدة ادرس منها فقد كان هؤلاء الفنانين مدرستي. كله تحول وأصبح أسلولي هو الاساس ولو انني ما زلت امارس رسم الطبيعة كدراسة. ارسم بين الحين والآخر عندما أكون في اجازة. وأنا في ايطاليا قبل بضعة أعوام رسمت بين 12-16 لوحة بألوان مائية. قد يعتقد من يراها بأنها ليست لي خاصة وان اسلوبي في البداية كان انطباعياً وأنني حاولت الارتباط بالانطباعيين وتعلمت منهم الكثير.
هل هناك تأثيرات أخرى نجدها في اعمالك؟
اليوم الذكريات هي المنبع الرئيس الذي استقي منه. اسم فلسطين يظهر في كثير من اللوحات وأسماء القرى والمدن. يجب ان نكررها لكي تثبت. عندما جئت الى المانيا وبدأت باكتشاف هذا العالم الجديد والغريب علي لاحظت بشكل خاص انتمائي للآشوريين والفينيقيين. في اول زيارة للمتحف الاثري الشهري متحف بيرغامون الذي يحتوي على كل فنون الشرق- رأيت الفن الآشوري والسومري والمصري ولكن اهم شيء بالنسبة لي كان التعرف الى الفن السومري الذي يعود لخمسة آلاف سنة ويدل على هذه المرحلة التي عاشها هذا الشعب الذي كان رائعاً بتفكيره. لم يكن لديهم رسم بل كان هناك تطور رائع بالنحت والكثير من التماثيل الصغيرة للإنسان والحيوان. كل هذه الأمور اجتمعت ككتلة واحدة وكانت مفاجئة غريبة بالنسبة لي. فعندما كنت بسوريا اهتممت بالفنون التشكيلية القادمة من فرنسا وايطاليا والخ وقد انقلب ذلك فوراً بعد الاكتشاف الكبير لفنون الشرق. هكذا بدأت تجربة جديدة شاركني فيها أخي برهوم وكنا ننفعل من جديد في كل مرة نكتشف فيها عنصراً من عناصر اللوحة بإمكاننا ان نستفيد منه، ليس كتقليد طبعاً انما كترسيخ- مثل الحواجب وكبر العيون التي اصفها بالشبابيك التي تطل على الروح- هذه كانت موجودة بالفن الآشوري والمصري أكثر من فنون الشرق الأخرى.
وكيف انعكس هذا الاكتشاف على اعمالك؟
لقد ساعدني ذلك على ترسيخ عدة عناصر بلوحتي. حاولت قدر الامكان ألا اقوم بالنسخ حرفياً انما ان اتعلم منهم وأن ابني صلة بأجداد اجدادنا من آلاف السنين. سألت نفسي كيف نستطيع ان نستفيد وان نحول ما قاموا به لشيء حديث يتناسب مع اسلوبنا بالوقت الحاضر ومع طريقة تعبيرنا. كان لا بد من الاعادة والتكرار في هذه المرحلة حتى يصبح ذلك عفوياً. التأثير كان بطريقة الرسم بالأساس ولكن كل الاسلوب تأثر. أصبح للسومريين مكانة خاصة لدي لدرجة ان زوجتي الاولى قالت لابني عمر بأنه اذا ما سمى ابنه الاول سومر فان ذلك سيسعدني كثيراً- فأسماه سومر! حاولت تطويع العناصر والتصرف فيها وصياغتها بطريقة فلسطينية. كنت انتقل طبعاً من الاسلوب السومري لغيره فكل مشروع يتطلب امور أخرى بطبيعة الحال. كانت لدي اعمال حزينة حاولت من خلالها تحويل الحزن لتعبير فني. هذا ما كان عندما توفيت والدتي وعرفت عن ذلك فقط بعد شهرّ. العناصر الأخرى كالمرأة، البيت والشجرة كلها استخدمتها للدلالة على الشوق والحنين للوطن.
وماذا عن الألوان؟
للألوان دلالات كثيرة وممكن ان يستخدمها الفنان رمزياً فأنا مثلاً أستخدمها للتعبير عن شيء معين بلوحة معينة ولو انني اقوم بذلك بعفوية واترك احساسي على سريته بينما تكون مهمتي المراقبة وكأنني قائد الفرقة المشكلة من ألوان عديدة وعلي ان اعطيها الاوامر لتتصرف بهذا الاتجاه او ذك. رغم هذا الاشراف والتوجيه فأنا اترك لها الحرية بالنتيجة. في بعض الايام ارسم لوحة خلال خمس او ست ايام وعادة ارسم والموسيقى بالخلفية عندما أكون في البيت. في كثير من الاحيان اقارن بين الفنان والموسيقي ولو انني لا اعزف على اية آلة. انا اميل للألوان الدافئة ولكن هذا لا يقول بأنك لن تجدي لدي لوحات بألوان باردة. اجمالاً هناك الكثير من الالوان التي تذكرنني ببلادنا- لون التربة يلعب دور كبير وأنا ارى ذلك من خلال كمية الالوان التي استهلكها. الاحمر مثلاً لا استخدمه كثيراً والأخضر قليل جداً إلا اذا الموضوع فيه خضار عندها استخدمة بعدة كثافات لونية حتى أعطي دلالة. البيج والاسود والازرق هم الاساس وعادة ما استخدم كثافات بمستويات مختلفة- لونين ازرق بدرجات مختلفة، فهمي بأن لا تصبح الالوان مملة والتضاد يحيى الموضوع إلا اذا اراد الفنان ان يرسم عمل شاعري يعطي شعور بالحلم. كان لدي معرض على فكرة اسميته “بين الحلم والواقع” لأنه اذا ما اردنا التعمق بالقضية الفلسطينية فسنتوصل للحقائق وهذه تبدأ بالهجرة والرفض من قبل حكومات عديدة لحق الفلسطيني باسترداد أرضه. في كل شيء هناك الشيء ونقيضه- الحلم والواقع.
بالإضافة للمرأة يهمني جداً مكان الرجل بالعالم العربي وليس فقط في فلسطين. خذي أي صورة لعائلة وستجدي الفروقات. لدي لوحة كبيرة اسميتها “رب العائلة” وهذا يجلس بكل ثبات في بيته ويدخن النرجيلة بينما زوجته تجلس منكمشة على نفسها وتنظر في الفراغ ومن خلفها ابنتها الصبية بنظرة تختلف عن أمها فيها اعتداد أكبر بالنفس ولكنها بنت ما زالت صغيرة تظهر منها عين واحدة فقط ولكن فيها الكثير من الفضول، تريد ان تعرف العالم وتفهمه. في لوحة أخرى رسمت “زوج التنتين”، رجل يلبس طربوشاً والى جانبه امرأتان مغطيتان ومغلوب على امرهما وكأنه الرجل الغني الذي قام بشرائهن.
وهل طرقت مواضيع اجتماعية أخرى؟
ليس بالضرورة. لم أطرق هذه المواضيع لأنني لم أعرف كيف أرسمها. كان هناك موضوع الانتفاضة الذي كان شائكاً للرسم فعلى الرسام ان يحافظ على الواقعية وأن يبني تعبيراً صادقاً. أخذت صورة الحجارة التي تشبه صورة الاعدام عند كويا حيث يقف الجنود من جهة موجهين بنادقهم ضد الاسبان الذين يقفون قبالتهم بشجاعة كبيرة. انا اخذتها بشكل آخر بعد ان درست الامر من عدة صور وتعلمت كيف يلقون الحجارة تماماً. في المقدمة كان هناك شابين صغيرين وشاب اكبر منهم يرمي الحجارة وخلفهم مجموعة كبيرة وقرية او بيوت رمزت لها بالعلم الفلسطيني- ولو انني لا احب نوعية الرموز هذه باللوحة- أما الجنود فيظهرون في اسفل اللوحة من الخلف- نزعت عنهم انسانيتهم. كانت هناك فترة لم اعد اعرض فيها هذه اللوحة بعد ان شاركت بكذا معرض فلقد كان لدينا وهم بأنه سيتم الاعلان عن تأسيس دولة فلسطين بعد اوسلو ولكن هذا الوهم تبدد. كنت قد اعددت لوحة خاصة ونويت ان اكتب عليها جملة- يوم تأسيس فلسطين- كانت تبدأ من تحت بألوان غامقة تصبح أفتح وكأن فيها ضوء يعبر عن الأمل. عرضت هذه مرة واحدة فقط ومن ثم اهديتها لصديقة. كان من المفترض بأن تطبع كطابع بريدي كبير.
هل تفرغت للرسم في المانيا ام انك قمت بأعمال أخرى؟
رغم أنني تعلمت في كلية الفنون بلايزبيرغ، أفضل معهد بالعالم ربما، لكني لم احصل على كرسي للتعليم. كنت حزيناً جداً ولكن بطريقة او بأخرى توصلت للعمل في مشفى للمرضى النفسيين كمعالج بالفن ولو ان المجال لم يكن معروفاً حينها. عملت هناك مدة 19 عاماً مع مرضى بالغين وقد ساعدتني تجربتي في العمل مع الطلاب كمدرس كثيراً. حتى الأطباء كانوا يهربون من هناك بسرعة أما أنا فشعرت بأنني أقوم بعمل خيري، ليس فقط للحصول على المال. سخرت عملي لهؤلاء الاشخاص الذين رفضهم المجتمع مع ان ذلك لم يكن سهلاً في البداية، كانت لدي كوابيس. كنت اعطيهم ورقاً وأقول لهم ارسموا اي شيء تريدونه. كانت هناك امرأة لم تتحدث لسنوات طويلة ولكنها وجدت نفسها بالرسم الذي مكنها من تحرير الامور المكبوتة في نفسها ولأنها صارت تسمع من يمدحها. في يوم من الايام اتت وقالت لي اريد ان اعطيك قبلة! وصارت تأتي لترسم في كل يوم- كانت تنهي علبة الوان في كل اسبوع. فرحت جداً لأنني استطعت ان “انخز” انسان واخرج منه هذا الشيء. عندما بدأت أرسمهم، الاهتمام الذي شعروا به أخذ دوراً كبيراً. رسمتهم بقلم رصاص او بالفحم او بالزيت وعلقت جزء من اللوحات في غرفة الضيوف وجزء آخر بالقاعة لكي يراها الزوار. طورت قدرتي على اكتشاف نفسيتهم من الداخل وتصويرها وهو شيء من الصعب ان يقوم به أي احد. التأكيد كان على الوجع. رسمت أكثر من 200 بورتريه من هذا النوع (جزء منها ما زال موجوداً) اضافة ل-19-20 بورتريه لشخصيات معروفة ككمال جنبلاط والوزير الالماني هانس يورغن الذي كان صديقي. كانت هذه فترة هامة وعملي لم يعطلني عن الفن. بالعكس، استطعت ان ابني لنفسي مكانة خاصة في المشفي بين الطاقم والمرضى وفي نفس الوقت نجحت في عمل دراسة كبيرة عن الحالات النفسية وفهم الكثير عن وضعهم بعد ان قرأت عن علم النفس وعن الامراض.
كانت هذه فترة مثمرة انتجت خلالها كثير من اللوحات منها افضل لوحاتي ك”القدس بعد المطر” و”فلسطين بلد احلامي” ومن ثم “الانتفاضة” وغيرها. حاولت في حينه ان اكون واقعياً بالرسم. الدراسة الاكاديمية يجب ان يكون اساسها الواقعية فإذا لم يرسم الفنان واقعي لن يتطور ويذهب الى التجريدي مثلاً او غيره. عامةً انا واقعي تعبيري وصلب عملي كان القضية الفلسطينية والإنسان الفلسطيني. الذكريات هي المنبع الذي كنت ارجع اليه والذي لا ينضب. في المانيا الغربية كان من الصعب جداً لعربي وخاصةً لفلسطيني حتى لو كان معروفاً بمستواه ان يجد صحافة تكتب عن اعماله او نقاد. حتى المراكز التي كانت تقيم لي المعارض لم تكن تنجح في جعل الصحافة تهتم. نشرت كذا مقالة ولكن ليس بالشيء الجدي. في المانيا الشرقية كان الوضع مختلفاً لأنهم كانوا يقفون الى جانب الفلسطينية ويدعمونها بينما في الغربية فكان العكس- كانوا يدعمون اسرائيل. انا انتقلت من الشرقية للغربية في عام 1973 بعد الهجوم على الفريق الاسرائيلي بميونيخ وهذا عطل علي اشياء كثيرة وفرص عمل معينة. لهذا اشتغلت في المشفى. بعد المشفى احلت للتقاعد بآخر التسعينات وتفرغت للرسم. وقد سكنت خلال هذه السنوات في برلين منذ 1974. قبلها كنت لمدة خمس سنوات ونصف في برلين الشرقية وعملت في الاذاعة التي كانت تبث للعالم العربي. كنت اكتب وأحرر اخبار بالبرنامج الثقافي وأتعاطى مع الاحداث والأشياء الجديدة التي تحدث.
وهل كنت تزور سوريا؟
تركت سوريا بسنة الستين ومن يومها لم اذهب الى سوريا فعندما خرجت، خرجت كسياحة فقد كان من الممنوع في حينه ان يسافر الشخص للدراسة في الخارج خاصة اذا كان فلسطيني- ذلك حفاظاً على الشعب الفلسطيني. سبب آخر بأنني لم ارغب في ان اعود للإهلاك والإنهاك “اللي ما اله طعمة” وصحافة واعلام والخ. في سنة ال-70 ارسلت معرضاً نقله فنان صديق- غازي الخالدي- مكون من 40 لوحة مختلفة بأسلوبي الذي تبلور فيما بعد. وزارة الثقافة لديها حوالي 14 لوحة موزعة بين المتحف وغيره من الاماكن. كان هذا المعرض الاول الذي اقيمه بعد عشر سنوات من غيابي عن سوريا (بالصدفة سمير كان الشخص الموكل بحراسة المعرض). اعجبوا هناك بشكل خاص بالألوان، وكان معرضاً ناجحاً وشاركت ام عمر وعمر بالافتتاح الذي افتتحه وزير الثقافة. قبلها اقمت العديد من المعارض في سوريا بالطبع وكان احداها في المتحف الوطني شاركت فيه 120 لوحة تقريباً!. بالإجمال استطيع القول بأنني انتجت كم ضخم من الأعمال خلال سنواتي بألمانيا. كما انجزت مجموعة طوابع لفلسطين حصلت على مكان جيد.
وهل كان هناك اطلاع واهتمام بأعمالك في سوريا؟
الانكشاف في سوريا كان محصوراً على مجموعة معينة لان الناس في الخمسينات لم تكن تذهب للمعارض وتعرف ماذا يعني ذلك. في المانيا كان المستوى مختلف. هناك توجد قيمة عالية للفن التشكيلي بين المجتمع وتقدير على الرغم من عدم اهتمام الصحافة الكافي. عندما كانوا يعرفون بأنني فلسطيني لم يتجرؤوا على الكتابة. عندما عرضت لوحة الانتفاضة مثلاً تسائلت الصحافة كيف يجرأ الاتحاد على اقامة هكذا معرض وبالذات على عرض لوحة من الواضح بأنها ضد الاحتلال والجيش الاسرائيلي.
ما كانت اهم المعارض بنظرك؟
كان هناك معرض اقامته مطبعة الدولة للنقد والطوابع البريدية وهو اول اكبر ثلاث معارض لي نظراً لتعاوني معهم ودعمهم لفلسطين بتقديم اعمال ادى الى نشر 6 طوابع بريدية فلسطينية مثل 50 عام على تأسيس الجامعة العربية. كانت هناك ايضاً 4 طوابع احداها عن عيد ميلاد المسيح (“العذراء الزرقاء”) تظهر فيها مريم لاني اعتقدت بأنها أعظم امرأة في التاريخ وعن طريقها عدت الو الوطن الام والتعبير عن فلسطين وارض فلسطين. مجموعة طوابع اخرى من بينما لوحة “القدس بعد المطر” و”رام الله” و”صوفية” سميت “الفن من اجل السلام” وهذه طبعت تحت اسمي ولو انهم عادة لا يضعون اسم الفنان. كان يجب ان ينقلوا الطوابع من مصر الى غزة ولكن اسرائيل صادرتهم لمدة ثماني سنوات. على فكرة، ارسلوا لي مجلد بمجموعة الطوابع الفلسطينية الكاملة لم يكن متواجداً إلا عندي وعند ابو عمار!.
المعرض الثاني الكبير كان في بريمن عام 1999 وشمل 100 لوحة. اما الثالث فكان في قصر محافظة برلين وشمل ايضاً 100 لوحة وكان معرضاً حافلاً بشكل خاص وفيه لوحات من فترات مختلفة تحت عنوان او موضوع واحد. كان هناك معرضان آخران في جمعية الصداقة الالمانية العربية. لدي عدد كبير من الاعمال لا استطيع احصائها وهناك عدد من اللوحات الجيدة من فترات مختلفة لم تعرض حتى الآن.
كان هناك معرض الدببة ايضاً حيث اقيم معرض للدب الذي يرمز لمدينة برلين شاركت فيه بتمثال واحد. بعد ان كان المعرض في القاهرة انتقل الى القدس هناك عرضوه أمام البلدية وقد كتب اسفل التمثال الذي انجزته “فلسطين-ابراهيم هزيمة” أما الدب فكان يلبس حطة وتظهر الوان العلم على الصدرية كليرات من الذهب المعتق. يومها كتبوا عن الموضوع في صحيفة “هآرتس”. اعتقد بأنه كان في 2006 او 2008، وقد تجول في كل العالم! (هناك فيديو للوحات الدب مع موسيقى مروان عبادو).
هل هناك اعمال تعتبرها مهمة او ناجحة بشكل خاص؟
المجموعة اللي رسمتها اثناء حرب غزة. كنت في امريكا (في زيارة لابنه الثاني) ولكنني استطعت متابعة الامور والوقوف على حقيقة ما يجري. اللوحات كانت تعبيراً عن الدعم لهذا الشعب الصامد الذي رمزت له بالمرأة التي لا تنحني. نسائي وان وقفن بصمت يكون هذا صمت الصرخة. ممكن ان تقولي بأن هذا كان نقلاُ لإحساسي الداخلي. “القدس بعد المطر” كانت من اشهر اعمالي وعرضت بأماكن عديدة بالعالم ولكنني لن اقول بأنها اللوحة الاول. كل لوحاتي مثل اولادي وعندما تنجح يكون نجاحاً لي ولها. “فلسطين بلد أحلامي” لوحة مهمة أيضاً وكذلك لوحة “انتظار” وهي اكبر لوحة لدي (مترين وعشرين بمئة وسبعين).
ما يهمني بالدرجة الاولى بأنني أصبحت اليوم ابن 83 عام ولم اغير حياتي رغم تقدمي بالعمل. يجب ان يكون الانسان خلوقاً ومتفاعلاً مع المجتمع فأنا لا ارسم لنفسي انما لكل انسان يحب الفن. قبل فترة منحني الرئيس ابو مازن باسم دولة فلسطين وسام الاستحقاق من الدرجة الاولى- أي الذهبي. وقد كنت قد ابلغت بذلك من قبل يحيى يخلف الذي كان مدير المجلس الاعلى للثقافة والفنون في عام 2013 ولكنني لم انجح في الوصول للبلاد. بعد أن حجزنا التذاكر خشيت في آخر اللحظة من النزول في مطار بن غوريون. خشيت من ان يتفلسف رجال الامن علي، وطبيبي منعني من السفر لأنه كان يعي وضعيتي، ايضاً زوجتي خافت بأن يستفزوني. في النهاية قامت خلود دعيبس بإيصال الوسام الذي اعتبره تقديراً من شعبي وكان من المهم بالنسبة لي ان احصل عليه. فقط قبل بضعة شهور (بداية شهر 3) دعوني لتكريم في سفارة فلسطين ببرلين وسلموني اياه.
الحدث الثاني المهم كان احتفال الجاليات الفلسطينية في كل اوروبا والذي اثارني بشكل قوي جداً. كان حشداً كبيراً، اناس قادمين من مدن عديدة وليس فقط من المانيا. قرؤوا سيرة حياتي ودعوني للمسرح وقدموا لي درعاً انتج خلال ورشة لأطفال فلسطين مصنوع من الخشب وعليه قطعة نحاسية محفور عليها المؤتمر الاول للشتات في اوروبا. لم انوي التحدث خلال الحفل ولكن لدرجة انفعالي امسكت بالميكروفون وألقيت كلمة- قلت لهم بأنني استقي العمل الفني منهم وبأنني ارسم من اجلهم ومن اجل قضيتنا التي تربطنا جميعاً (ممكن ان يفحص اذا كان هناك فيديو مصور للحدث). انا ارسم منذ جيل 17 وحتى اليوم أي منذ 73 عام تقريباً، من وقت التهجير وحتى اليوم. لدي شعور بأن العمر سيستمر وبأنه ما زال لدي ما اعطي. اتمنى بأن يأتي اليوم الذي أرى فيه أرض فلسطين. اقاربي قاموا بدعوتي وهناك احتمال بأن آتي خاصة وأن هناك من يقوم بتصوير فيلم عني وقد نقوم بالتسجيل هناك.

Copyright International Art Colony © 2020. All Rights Reserved

Privacy Policy / Terms of Use / Contact Us